“مداعبة العمالقة” .. وثائقي يجكي قصة الإعلامي باسم يوسف

http://youtu.be/nVwUrbGcxZ4

كان من أشهر برامج السخرية السياسية في التليفزيون البريطاني برنامج
“سبيتننغ إمياج” أو “الصورة المشابهة”، وهو برنامج أسبوعي كان يعتمد أساسا على الدمى التي كان يُصممها الفنانون الكثيرون الذين عملوا لحساب البرنامج، في أشكال كاريكاتورية لمعظم الشخصيات السياسية البارزة في المجتمع، في الماضي والحاضر، بل ولمعظم الشخصيات الاجتماعية والفنية أي ما يسمى بـ “نجوم المجتمع”، وكانت كل حلقة من حلقات البرنامج تتناول بالسخرية اللاذعة، موضوعا سياسيا مطروحا على الساحة، بحيث يصبح العرض أقرب ما يكون إلى المهزلة.

لم يكن هذا البرنامج بالتالي يعرف قيودا أو حدودا، بل كان يتجاوز كل القيود ويجترأ على النقد والسخرية لحد الهزء من كبار رجال السياسة. وقد استمر البرنامج من عام 1984 وطوال عهد رئيسة الوزراء البريطانية “مرغريت تاتشر” التي نالها نصيب الأسد من السخرية بالطبع من خلال دمية كاريكاتورية تشبهها مع ممثلة كانت تقلد طريقتها المميزة في الحديث، وتوقف البرنامج عام 1996.

ولكن ليس لأن الحكومة أوقفت بثه بقرار، فبريطانيا لا تعرف هذا النوع من الرقابة، ولم يكن السياسيون يضيقون بالبرنامج، ولم نسمع أو نقرأ أن أحدا من كبار رجال الدولة، بما فيهم قيادات الجيش، اعترضوا أو أقاموا دعاوى قانونية ضد البرنامج، وعندما كان يتم توجيه أسئلة إليهم بشأن صورتهم في البرنامج، كانوا يضحكون بل ويعتبرون أنه يقدم لهم نوعا من الدعاية، ويبقي على صورتهم حية في أذهان الناس.

 أما سبب توقف البرنامج فكان سببا ماديا في الأساس يعود إلى تكاليف إنتاجه الكبيرة، وأيضا بعد ان زعم المسؤولون الجدد عن شبكة تليفزيون التايمز الذي كانت تنتجه، أنه لم يعد يحقق نسبة مشاهدة عالية، وبالتالي تراجع كمصدر للإعلانات التجارية. وفي فرنسا في الوقت الحالي هناك برنامج ساخر مشابه للبرنامج البريطاني القديم بعنوان “دمى الأخبار”، وإن كان يواجه الكثير من الاعتراضات من جانب بعض الشخصيات السياسية الفرنسية، كما نشرت الصحف في وقت سابق أن الرئيس الفرنسي نفسه طالب مع بعض السياسيين بوقفه، لكنه لم يتوقف على أي حال.

باسم يوسف مع سارة تاكسلر

أما البرنامج الأشهر في العالم فكان برنامج “العرض اليومي مع جون ستيوارت” في الولايات المتحدة، والذي أوقفه مقدمه الشهير بعد أن أعلن تقاعده. وكان البرنامج يعتمد على الأداء الساخر مع استخدام الصور ومقتطفات الفيديو للكثير من الشخصيات العامة في مواقف معينة، مع التقاط تفاصيل من الصور الفوتوغرافية أو من أحاديث وارتباكات السياسيين والزعماء، ووضعها في قالب يسخر منهم ومن مزاعمهم ويكشف الكثير من سلبيات الواقع السياسي والاجتماعي.

ومن هذا البرنامج الأمريكي تحديدا استمدّ المصري باسم يوسف فكرة برنامجه “البرنامج” الذي ظل يقدمه من مارس 2011 إلى يونيو 2014. أي أنه ظهر إلى الوجود بعد الثورة الشعبية التي اجتاحت مصر ضد نظام الرئيس حسني مبارك في يناير 2011، إلى أن توقف بعد انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيسا لمصر مباشرة.

أما توقف “البرنامج” فيعود لأسباب يتناولها بالتفصيل الفيلم الوثائقي الطويل (111 دقيقة) الذي عُرض بالدورة الأخيرة من مهرجان لندن السينمائي، وهو بعنوان “مداعبة العمالقة” أو Tickling the Giants للمخرجة الأمريكية ساره تاكسلر.

يصور الفيلم من بدايته دور باسم يوسف كطبيب، في علاج الجرحى من المتظاهرين في ميدان التحرير الشهير وقت تصاعد الأحداث عام 2011، ونمو اهتمامه بالحدث السياسي الخارق، ثم كيف أن هذا الطبيب الناجح المتخصص في جراحات القلب، تخلى عن مهنة الطب بعد أن وجد في نفسه الرغبة في تقديم برنامج ساخر يقدمه للجمهور للتعليق على الأحداث السياسية اليومية، بدأه أولا عبر شبكة الإنترنت وموقع يوتيوب، ثم تحول إلى برنامج احترافي بإمكانيات كبيرة، ولكنه ظل ينتقل من قناة إلى أخرى، بسبب ما واجهه من عقبات وما أثاره من مشاكل مع أطراف السلطة والمجتمع، إلى أن قرر باسم يوسف نفسه وقفه بل ومغادرة البلاد بعد أن تلقّى تهديدات تتعرّض لحياته وحياة أسرته.

ويكشف الفيلم للمرة الأولى أن والد باسم يوسف “قُتل” في حادث سيارة يعتقد كما يقول باسم في الفيلم – أنه مُدبّر، وكان باسم وقت وقوع الحادث قد غادر مصر إلى الولايات المتحدة حيث يقوم هناك بإلقاء المحاضرات عن دور الإعلام الساخر وعن تجربته في برنامج “البرنامج”، ولم يتمكن من العودة إلى مصر للمشاركة في الجنازة، بعد أن نصحه البعض بعدم الذهاب.

مخرجة الفيلم الوثائقي ساره تاكسلر، تمكنت من تتبع صعود شخصية باسم يوسف، كما لو كانت تعرف أن هذه “الظاهرة” الجديدة الوافدة على مصر في مجال السخرية السياسية، أي في دولة محكومة بالكثير من القيود الرقابية والحدود المعروفة في الإعلام، كان لابد أن تواجه الكثير من المشاكل التي يمكن أن تصل إلى مستوى “درامي” صارخ، وأنها استمرت لفترة في البداية، بسبب حالة السيولة التي كان عليها الواقع المصري في 2011، ثم تُركت ربما، لكي تستمر وتنمو خلال الفترة القصيرة لحكم الإخوان المسلمين، لكنها بدأت في التعرض للمشاكل بعد القضاء على تجربة الإخوان في 30 يونيو 2013، ثم انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وأصبح المناخ السياسي لا يسمح بوجود هذا النوع من البرامج النقدية الساخرة، خاصة وأنه أصبح من الممكن أن يتناول رئيس الجمهورية نفسه. فمورست ضغوط مكثفة على القناة العربية التي كانت تنتجه وتبثه فتوقف البرنامج، واضطر باسم للخروج من مصر. ذهب أولا إلى دبي ثم إلى أمريكا.

ساره تاكسلر كانت منتجة برنامج جون ستيورات، وقد قابلت باسم يوسف للمرة الأولى عندما قام بزيارة فريق البرنامج الأمريكي في الاستديو الذي ينتج فيه في ربيع 2012 أي قبل الإطلالة الجديدة التي ظهر عليها “البرنامج” من خلال شبكة “سي.بي.سي” في مصر، بحضور جمهور كبير داخل الاستديو، وبإمكانيات أكبر كثيرا عما كان عليه الأمر مع قناة “أون.تي.في” التي كانت قد أوقفت إنتاج البرنامج. وعندما قابلته، طلبت منه ساره أن تصور فيلما تسجيليا عنه، وبدأت منذ ذلك الحين في تتبع ما يقوم به وتسجيل كل ما يمكن من مواد استخدمتها في فيلمها الطويل بعد ذلك.

كان باسم يوسف – كما يصور الفيلم في بدايته – يتوق لالتقاط صور من نوع “سيلفي” بكاميرا هاتفه المحمول مع المتظاهرين في ميدان التحرير، ثم سرعان ما أصبح الجميع يتوقون لالتقاط صور “السيلفي” معه. هذه المفارقة يلعب عليها الفيلم بشكل غير مباشر، فهو يعتبر، في بنائه وطريقة تعاقب مشاهده وأجزائه، من ناحية، دراسة لشخصية باسم يوسف نفسه، وكيف وجد نفسه في مجال جديد لم يكن يخطر على باله، ثم كيف أصبح بفعل موهبته وذكائه وسخونة الواقع السياسي وقدرته على التعامل معه هو وفريقه، نجما أسطوريا يشاهده الملايين في العالم العربي، كما يعد الفيلم من ناحية أخرى، تكثيفا لصعود وسقوط فنان ساخر جاء في وقت لم يكن المجتمع قد أصبح ناضجا بعد بحيث يتقبل ما يقدمه باسم يوسف، على صعيد الشريحة العليا في المجتمع وليس على الصعيد الشعبي، فالبنية الأساسية للشريحة العليا أو لما يسمى بالنخبة السياسية، لا تقبل بالسخرية، ولا تتقبل النقد الذي يسعى لإضحاك الآخرين على السلبيات.

ولذلك اتُهم باسم كثيرا من قبل شخصيات عامة أو إعلامية، بالاجتراء والسب والقذف، ولكن الفيلم إذا كان يوثِّق لاستدعائه أمام النائب العام في عصر حكم الإخوان المسلمين، واستجوابه ثم إخلاء سبيله، لا يتوقف أمام عدد من المحطات الأخرى البارزة مثل قضيته مع الإعلامي عماد الدين أديب الذي أقام دعوى قانونية ضده ونشر بيانا بذلك بل وقرأه على الهواء مباشرة من على شاشة القناة التي كان يعمل بها، كما تجاهل رد باسم عليه، وكذلك تجاهل الفيلم هجوم المحامي مرتضى منصور على البرنامج وعلى باسم يوسف شخصيا والتعريض به وتهديده تهديدات مباشرة بوقف برنامجه بعد أن تعرض له بالسخرية في حلقته الأخيرة.

غير أن الفيلم يصور شجاعة باسم وفريق العاملين معه في مواجهة الكثير من التهديدات، بل وحصار المسرح الذي كان يجري تصوير البرنامج في داخله في قلب القاهرة، وكيف تم حشد بعض الغوغاء للهتاف ضده، ويستطلع الفيلم آراء الكثير من الناس في الشارع حول ما يقوم به باسم يوسف، كما يصور مواقف أعضاء فريق البرنامج من التداعيات.

ويوثق زيارة باسم لجون سيتوارت في نيويورك، ثم الزيارة التي قام بها جون سيتوارت بدوره إلى القاهرة وظهوره المفاجئ على الهواء أمام الجمهور في إحدى حلقات البرنامج. أما ما يغيب فهو آراء أعضاء في النخبة السياسية والاجتماعية الذين كان من الضروري استطلاع آرائهم أيضا عبر المقابلات أو الحصول على آرائهم من وسائل إعلام أخرى.

يتضمن الفيلم الكثير من المقاطع الشهيرة من برنامج البرنامج، منها المقطع الشهير الذي يسخر فيه باسم يوسف من القبعة الضخمة والملابس الغريبة التي ارتداها الرئيس السابق محمد مرسي خلال حفل منحه درجة الدكتوراه الفخرية من إحدى الجامعات الباكستانية.

والفيلم في النهاية يندرج في إطار الهجاء السياسي اللاذع تماما مثل برنامج “البرنامج” نفسه، كما أنه عن شخصية باسم يوسف: صعوده ورؤيته لتطور الأحداث من حوله، خاصة وأنه هو الذي يعلق بصوته ويروي الكثير عن تجربته. وقد جاء الفيلم في سياق جعله قريبا من شكل التحقيق التليفزيوني الذي يتحرر من الإفراط في المقابلات بقدر ما يركز على الشخصية الرئيسية ويضعها في إطار المأزق السياسي الذي لايزال قائما على أي حال!

المصدر: الجزيرة الوثائقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *